محمد غازي عرابي
18
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
بالكشف يعني كشف الفاعل الحقيقي في الوجود ، ولهذا لا يعمل اليهود عملا يوم السبت ، ولهذا رمز ، ورمزه الإيمان والتسليم بصاحب الأمر والفعل ، أما إذا ظل الإنسان مؤمنا بأنه هو الفاعل ، لا الروح فيه ، فهو بمثابة القرد لا يعي حقيقة أمره . فالإنسان يتصرف في ملك ليس هو صاحبه ، وإن بدا الأمر ظاهرا كذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 67 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) [ البقرة : 67 ] البقرة كناية عن النفس ، والآية تتمة لما سبقتها من حديث عن رفع الطور ، فالنفس دابة منقادة للّه ، وهي القلب الذي هو في قبضة الرحمن ، وذبحها ، أي نحرها ، أي التضحية بها ، أي الخلاص من قولك أنا ، ضرورة لكشف الحقيقة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) [ البقرة : 68 ، 69 ] النفس خالدة لأنها إلهية ، فلا يشملها زمان ، فهي من قبل الزمان ، والزمان من صنعها ، ولهذا وصفت بأنها ليست مسنة ولا صغيرة ، بل هي بين بين ، وهذا البين هو تأرجح النفس بعد التعيين بين قوسي الزمن . والنفس صفراء ، والصفرة من ألوان الطيف ، فالإشارة إلى شفافية النفس ولطفها . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 70 إلى 71 ] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 ) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) [ البقرة : 70 ، 71 ] النفس لم تخلق لتكون مطية للمادة ، بل المادة مطية لها ، ولهذا وصفها سبحانه بأنها غير ذلول . . . والخروج على الذل هذا هو من تعظيم الحق لهذا الخلق الإلهي الذي لا يدرج في فعل كن الوجودي ، لأن النفس صورته سبحانه ووجهه الظاهر . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 72 إلى 73 ] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) [ البقرة : 72 ، 73 ] الحديث عن قتل النفس الحديث عن مصير النفس الجزئية بعد موت البدن ، وهي مسألة عالجتها الفلاسفة كثيرا ، واختلفت فيها الآراء ، والحقيقة أن النفس باعتبارها المرآة فلا وجود لها بذاتها بل بأصلها وهو الحق ، لذلك فإن الحديث عن الجزء والجزئي أمر غير وارد في